
ريميني (إيطاليا) — خاص — في خطوة تعكس الطموح الأوروبي-المتوسطي نحو مستقبل طاقي مستدام، افتتح معرض « كي – معرض التحول الطاقي » (KEY – The Energy Transition Expo) أبوابه الأربعاء 4 مارس 2026 بمركز ريميني للمعارض، منطلقاً بثلاثة أيام مكثفة تجمع التكنولوجيا والسياسات والتمويل في بوتقة واحدة. بأكثر من 1000 شركة عارضة، و125 ألف متر مربع موزعة على 24 قاعة، و500 مشتري من 50 دولة، يؤكد الحدث مكانته كموعد استراتيجي لا يُفوّت لصناعة الطاقة في أوروبا وحوض المتوسط.
بقلم هيئة التحرير
لم يكن افتتاح معرض KEY 2026 مجرد حدث تجاري تقليدي، بل لحظة مفصلية تجمع فيها الوزراء والمستثمرون والمبتكرون تحت سقف واحد لرسم خريطة طريق التحول الطاقي. فبينما تتصاعد التوترات الجيوسياسية وتشتد الضغوط لتحقيق أهداف المناخ، باتت ريميني لثلاثة أيام مختبراً حياً للحلول التي قد تُحدث الفارق في معادلة الطاقة العالمية.
افتتاح رسمي يركز على « الأمن الطاقي » و »الحياد التكنولوجي »
ترأس حفل الافتتاح جيلبيرتو بيتشيتو فراتين، وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي، وسط حضور مؤسسي وصناعي كثيف. وفي كلمة افتتاحية نبرةً واقعية، شدد الوزير على ضرورة التوفيق بين تطوير الطاقات المتجددة وضمان أمن الإمدادات، في سياق دولي تتسم فيه أسواق الطاقة بعدم الاستقرار.
وقال فراتين: «إيطاليا تتبنى مقاربة تقوم على « الحياد التكنولوجي »، أي استكشاف جميع السبل الممكنة لتحقيق الأهداف المناخية، بما في ذلك الأجيال الجديدة من الطاقة النووية». رسالة واضحة بأن التحول الطاقي لا يعني إقصاء أي خيار تقني، بل تكامل الحلول.
وحضر الحفل أيضاً ماوريتسيو رينزو إرميتي، رئيس المجموعة الإيطالية للمعارض (IEG)، وآنا مونتيني، المستشارة البلدية لريميني المكلفة بالتحول البيئي، وماوريتسيو فورتي، المدير المركزي لقطاعات التصدير بالوكالة الإيطالية للتجارة الخارجية، وفينيشيو ميزي فيجيلانتي، المدير العام لشركة إدارة خدمات الطاقة (GSE)، وإيريني بريولو، المستشارة الإقليمية لإميليا-رومانيا المكلفة بالبيئة والنقل والبنى التحتية.
أرقام تعكس الثقل الدولي للمعرض
تُظهر معطيات الدورة الحالية حجم الطموح الذي يحرك المنظمين:
- أكثر من 1000 شركة عارضة، منها 30% قادمة من الخارج.
- 125,000 متر مربع من المساحة المعرضة، موزعة على 24 قاعة.
- أكثر من 500 مشتري ووفد رسمي من 50 دولة، بدعم من الوكالة الإيطالية للتجارة (ITA) ووزارة الخارجية الإيطالية.
هذه الأرقام لا تعكس فقط الجاذبية التجارية للحدث، بل أيضاً دوره كجسر بين الأسواق الأوروبية والمتوسطية، في وقت تبحث فيه الدول عن شراكات استراتيجية لتسريع وتيرة التحول الطاقي.
خمسة محاور تُشكل مستقبل الطاقة
على مدى ثلاثة أيام، يتمحور النقاش حول خمسة أوراش استراتيجية، تم تسليط الضوء عليها في « أخبار اليوم » للمعرض:
1️⃣ صدمة مراكز البيانات: 69 جيجاوات تنتظر الربط
في قمة الطاقة الرئيسية، كشفت دراسة لمعهد « ألثيسيس » (مجموعة TEHA) عن واقع مقلق: طلبات ربط مراكز البيانات بالشبكة الإيطالية بلغت 69 جيجاوات. فبينما لم تستهلك هذه المراكز سوى أقل من 2% من الكهرباء الوطنية في 2024، تتوقع معطيات « سناب-تيرنا » أن ترتفع النسبة إلى ما بين 7.4% و12.7% بحلول 2035.
وحذر الخبراء من أن هذا النمو الهائل، المدفوع بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، يفرض إعادة نظر جذرية في تخطيط الشبكات وسياسات التسعير. ودعت طاولة مستديرة جمعت رؤساء جمعيات القطاع (إليتريتشيتا فوتورا، أنيه للطاقات المتجددة، إيطاليا سولار، وغيرها) إلى تسريع إصلاحات السوق، بما في ذلك فصل أسعار الغاز واعتماد سعر وطني موحد للكهرباء.
2️⃣ الهيدروجين: تعاون إيطالي-ألماني يعزز الطموح الأوروبي
في جلسة « الحوار الدولي حول الهيدروجين »، برزت إرادة واضحة لتنسيق الجهود بين روما وبرلين. ونظم الحدث تحالف يضم معارض هانوفر، وهيدروجين + خلايا الوقود أوروبا، وغرفة التجارة الإيطالية الألمانية (ITKAM)، وH2IT.
وبعد كلمة بنيامين هانا، السفير المساعد لألمانيا لدى إيطاليا، قدم فابريزيو بينا (وزارة البيئة والطاقة الإيطالية) وباتريشيا شيكورا (وزارة الاقتصاد الفيدرالية الألمانية) رؤيتيهما حول تسريع إنتاج الهيدروجين وتطوير البنى التحتية. وأكد لويجي كريما، رئيس مجلس أبحاث « هيدروجين أوروبا »، أن التكنولوجيا ناضجة، لكن التحدي الآن يكمن في التمويل والتكامل الإقليمي.
3️⃣ التمويل والهندسة: العائق الأكبر أمام مشاريع الطاقة النظيفة
لا يكفي أن تكون التكنولوجيا جاهزة؛ يجب أن تكون المشاريع قابلة للتمويل. وهذا ما ناقشته جلسة « الهندسة والمشتريات والبناء (EPC) والتمويل »، التي نظمتها « إليمنز » و »كي ».
ففي إيطاليا وحدها، تم الترخيص في 2025 لمشاريع طاقة شمسية بقيمة 9.5 جيجاوات وطاقة رياح بـ 1.5 جيجاوات. لكن بين الترخيص والتشغيل، تظل العقبات التنظيمية والمالية عائقاً رئيسياً. وناقش ممثلو « ميز » و »جي إس إي » و »تيرنا » آليات تحسين إطار الحوافز (FER-X، FER-Z، MACSE)، بينما ركز المصرفيون على شروط « القابلية للتمويل » والرافعة المالية الضرورية في ظل قانون الصناعة صافية الانبعاثات (NZIA).
4️⃣ الابتكار: جائزة « لورينيو كاغوني » تكرم رواد الغد
في فضاء مخصص للاكتشافات التكنولوجية، تم توزيع جائزة الابتكار « لورينيو كاغوني » على سبع شركات متميزة: IGreen System، Meteodyn، Clivet، CRRC Zhuzhou Institute، Alperia Green Future، Dragone Energy، وENEA.
كما كُرّمت سبع شركات ناشئة واعدة من « قطب الابتكار »: Taleta، Northernlight، I-Tes، CO2CO، AI-Cure، Powandgo، وEnercade. وتسلم الفائزون جوائزهم من أيدي ماوريتسيو إرميتي (رئيس IEG)، وأليساندرا أستولفي (المديرة العالمية للمعارض في قسم التكنولوجيا الخضراء)، وفرانشيسكا زادرو (الوكالة الإيطالية للتجارة الخارجية)، مما يعكس الدعم المؤسسي للابتكار كرافعة أساسية للتحول.
5️⃣ التنقل الكهربائي: البنية التحتية للشحن كشرط للنجاح
أخيراً، نظمت « جي إس إي » و »موتوس-إي » مؤتمرًا حول « شبكة شحن المركبات الكهربائية في إيطاليا وأوروبا ». وشارك فيه مشغلون كبار مثل أيونيتي، وإيني إكس واي، وإديسون نكست، ومنظمون مثل أريرا.
وركز النقاش على خطة البنية التحتية الوطنية للشحن (PNIRE) والمناقصات الخاصة بالطرق السريعة، مع إجماع على أن توسيع الشبكة وتحسين تجربة المستخدم هما شرطان أساسيان لنجاح التحول نحو التنقل الكهربائي.
فعاليات موازية تعزز العرض المتكامل
لم يقتصر المعرض على النقاشات الاستراتيجية، بل شهد أيضاً إطلاق فعاليات متخصصة تعكس تنوع سلسلة القيمة:
🔹 معرض « إس إس إي سي – تخزين وطاقة شمسية » (SSEC – Storage & Solar Expo): عُرض كموعد جديد مخصص للطاقة الشمسية وأنظمة التخزين، من المقرر عقده في 22-23 شتنبر 2026 فيتشنزا. ويهدف إلى جمع المصنعين والمطورين والمستثمرين حول حلول التكامل بين الإنتاج والتخزين.
🔹 معرض « دي بي إي – الكهرباء الدولي » (DPE – International Electricity Expo): نُظم بالتعاون مع « أنيما-كونفيندوستريا » و »اتحاد أنيه »، ويركز على الابتكارات في مجال إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، مع تسليط الضوء على البنى التحتية الصناعية الذكية.
ريميني كمختبر لمستقبل الطاقة المتوسطي
في ختام يومه الأول، يؤكد معرض KEY 2026 أنه أكثر من مجرد منصة تجارية. إنه فضاء للحوار الاستراتيجي، حيث تلتقي الطموحات الوطنية بالرهانات العالمية، وتتحول الأفكار إلى شراكات ملموسة.
أهم ما يميز هذه الدورة هو قدرتها على معالجة التناقضات الظاهرة في التحول الطاقي: بين الطلب المتسارع على الكهرباء والحاجة إلى استقرار الشبكة، بين الطموح البيئي والواقع المالي، بين الابتكار المحلي والتعاون العابر للحدود. وبجمع أكثر من 1000 شركة و500 وفد دولي، يضع المعرض أسس تحالفات جديدة قد تُعيد تشكيل خريطة الطاقة في منطقة المتوسط.
بالنسبة للمغرب والدول الإفريقية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، يمثل KEY 2026 فرصة استراتيجية للتواصل مع التكنولوجيا الأوروبية، وجذب الاستثمارات، والمشاركة في نقاشات تُشكل مستقبل القطاع. فالتحول الطاقي ليس رهاناً أوروبياً فقط، بل مشروع متوسطي بامتياز، وريميني اليوم تكتب فصوله الأولى.
ينظم المعرض بدعم من الوكالة الإيطالية للتجارة (ITA) ووزارة الخارجية الإيطالية، مما يفتح أبواب الشراكة أمام الشركات المغربية والإفريقية الراغبة في ولوج السوق الأوروبية أو الاستفادة من الخبرات التكنولوجية المعروضة.


Laisser un commentaire