من الرؤية إلى التنفيذ: المغرب يراهن على الرقمنة والذكاء الاصطناعي لبناء اقتصاد إفريقي تنافسي في جيتكس أفريقيا 2026

رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش وهو يلقي الكلمة الافتتاحية في معرض جيتكس أفريقيا المغرب 2025 (GITEX Africa Morocco 2025).
 تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، انطلقت أمس 8 أبريل 2026 بمراكش فعاليات الدورة الرابعة من معرض « جيتكس أفريقيا »، الذي يحول هذه السنة شعاره من تبادل الرؤى إلى مرحلة التنفيذ العملي، في خطوة تعكس رغبة المملكة في ترسيخ موقعها كمنصة رقمية إفريقية موثوقة وقاطرة للابتكار القاري. وفي كلمة افتتاحية رئيسية، أكد رئيس الحكومة أن التحول الرقمي لم يعد خيارا ثانويا، بل أصبح سياسة عمومية كبرى، مدعوما بزيادة غير مسبوقة في الاعتمادات المالية وإستراتيجية وطنية طموحة تبلغ أفق 2030.

التزام سياسي وميزانياتي غير مسبوق

وأشار رئيس الحكومة إلى أن إحداث قطاع وزاري مخصص للرقمنة سنة 2021 شكل محطة فاصلة في المسار التنموي للمملكة، حيث انتقل حجم ميزانية الاستثمار الخاصة بالقطاع من 11 مليون درهم إلى أزيد من 1,7 مليار درهم بحلول سنة 2024. هذا الاختيار السياسي مكّن، على حد تعبيره، من الانتقال من مبادرات متفرقة إلى استراتيجية شاملة ومتماسكة تحت عنوان « المغرب الرقمي 2030″، التي تُعلي من شأن الرقمنة كأداة فعلية لتحسين الحياة اليومية للمواطنين وتعزيز تنافسية النسيج الاقتصادي الوطني. وترجمت الاستراتيجية هذه الرؤية إلى مشاريع ملموسة، من خلال إعادة هيكلة بوابة « idarat.ma »، وتعميم الحلول الرقمية في قطاعات حيوية كالتعليم عبر منظومة « مسار »، والعدل عبر منصة « محاكم » والسجل العدلي الإلكتروني.
جانباً من الحضور خلال فعاليات معرض جيتكس أفريقيا المغرب يتوسطهم رئيس الحكومة عزيز أخنوش

اقتصاد رقمي داعم للتشغيل وريادة الأعمال

وعلى الصعيد الاقتصادي، كشف رئيس الحكومة عن نتائج ملموسة لعقد برنامج قطاع ترحيل الخدمات والصادرات الرقمية للفترة 2024-2030، الذي أسهم في إحداث 148.500 منصب شغل وتحقيق صادرات تفوق 26 مليار درهم بنهاية 2024، مع استهداف بلوغ 270 ألف منصب و40 مليار درهم بحلول أفق 2030. وبالموازاة، تم وضع منظومة متكاملة لدعم الشركات الناشئة عبر حزم تمويلية تشمل منح العيش، والقروض الشرفية، وتمويل الانطلاق، ودعم الحاضنات وجمع الاستثمارات. وقد ترجم هذا التوجه باتفاقية استراتيجية جمعت وزارتي الاقتصاد والمالية والانتقال الرقمي، وصندوق محمد السادس للاستثمار، وصندوق الإيداع والتدبير، وبرنامج « تمويلكم »، مع اعتماد 9 شركات للتدبير تستعد لضخ استثمارات تصل إلى 2,5 مليار درهم في الشركات الناشئة المغربية.

رأسمال بشري مؤهل وسيادة تكنولوجية

وشدد الخطاب على أن الرقمنة رهان بشري قبل أن تكون تقنيا، مشيدا بالاتفاقية المبرمة مع وزارة التعليم العالي والتي ضاعفت عدد الخريجين في تخصصات الرقمنة من 11 ألفا سنة 2022 إلى 22 ألفا ابتداء من 2024. كما أبرز دور برنامج « JobInTech » الذي استفاد منه أزيد من 2800 شاب في مجال التكوين على المهن الأكثر طلبا بسوق الشغل الرقمي.
وفي سياق التحولات العالمية المتسارعة، أكد رئيس الحكومة أن المغرب اختار نهجا استراتيجيا يقوم على « السيادة التكنولوجية وعدم التبعية »، معترفا بضرورة التحكم في ثورة الذكاء الاصطناعي بدل الانسياق وراءها. وكشف عن قفز المملكة 14 مرتبة في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لسنة 2025، مسلطا الضوء على إطلاق معهد « جازاري روت » (JAZARI ROOT) ومبادرة « الذكاء الاصطناعي صنع في المغرب » كترجمة عملية لهذا التوجه الرامي إلى تعزيز العدالة المجالية ودعم مسار التنمية الشاملة.

بنى تحتية متطورة واستثمارات عالمية كبرى

وعلى صعيد البنيات التحتية الرقمية، أشار رئيس الحكومة إلى الإطلاق الفعلي لتقنية الجيل الخامس وفق مسار يهدف إلى تغطية 45% من الساكنة بنهاية 2026 و85% بحلول 2030، إلى جانب بلوغ اشتراكات الألياف البصرية إلى 1,4 مليون بنهاية 2025، وإطلاق برنامج طموح لربط 1800 جماعة قروية إضافية بالشبكة للقضاء نهائيا على العزلة الرقمية. كما استعرض استقبال المغرب لأول استثمار كبير من طرف عملاق عالمي في الخدمات السحابية، يتضمن إنشاء مراكز « كلاود » عمومية ومركز للبحث والتطوير بالدار البيضاء، والذي وفر بالفعل أزيد من 700 منصب شغل للخريجين الشباب الذين يطورون تكنولوجيات المستقبل وتسويقها عالميا.

البعد الإفريقي ورهان جيتكس أفريقيا

ويتزامن هذا التوجه الوطني مع السياق الإفريقي الأوسع، حيث تحتضن مراكش أزيد من 1450 عارضا وشركة ناشئة، ومشاركين من أكثر من 130 دولة، بانضمام دول جديدة على غرار كرواتيا، التشيك، الدنمارك، غينيا، المجر، لوكسمبورغ، تايلاند وزامبيا. ومع التقديرات الأممية التي تشير إلى إمكانية إضافة الذكاء الاصطناعي 1,2 تريليون دولار للاقتصاد الإفريقي بحلول 2030، يراهن « جيتكس أفريقيا » على تحويل القارة إلى فاعل صاعد في المشهد التكنولوجي العالمي، عبر خلق مسارات رقمية، وتمويل مستهدف لرواد الأعمال، وتكوينات منتجة للوظائف، وفتح الأسواق الإفريقية أمام بعضها البعض.
وختم رئيس الحكومة كلمته بدعوة صريحة للمستثمرين الحاضرين، مؤكدا أن « المغرب جاهز بخياره السياسي، بكفاءاته الشابة، وباستقراره وبناه التحتية »، مضيفا أن قيمة التكنولوجيا الحقيقية تكمن في « شاب يجد عملا، ورائد أعمال يطور مشروعه، ومواطن يولج خدماته بسهولة ». رسالة ختامية تعكس قناعة راسخة بأن التحول الرقمي ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لبناء اقتصاد إفريقي شامل، مستدام، وقادر على مواجهة تحديات المستقبل بفعالية وثقة.
فعاليات الدورة الرابعة من معرض "جيتكس أفريقيا"، الذي يحول هذه السنة شعاره من تبادل الرؤى إلى مرحلة التنفيذ العملي
فعاليات الدورة الرابعة من معرض « جيتكس أفريقيا »، الذي يحول هذه السنة شعاره من تبادل الرؤى إلى مرحلة التنفيذ العملي
فعاليات الدورة الرابعة من معرض "جيتكس أفريقيا"، الذي يحول هذه السنة شعاره من تبادل الرؤى إلى مرحلة التنفيذ العملي
فعاليات الدورة الرابعة من معرض « جيتكس أفريقيا »، الذي يحول هذه السنة شعاره من تبادل الرؤى إلى مرحلة التنفيذ العملي
A propos Houcine ABENKCER 1050 Articles
Cofondateur et rédacteur en chef du journal électronique LeVert.ma

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*


Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur la façon dont les données de vos commentaires sont traitées.