من الاحتفال إلى المساءلة: مشاريع بيئية براقة وأسئلة محرجة بلا أجوبة

في غياب مؤشرات القياس، كيف نميّز بين المشروع التنموي وعملية العلاقات العامة؟

بلاغ بلا أرقام: هل تخفي “الرواية التنموية” أزمة حكامة في مشاريع درعة-تافيلالت؟
بلاغ بلا أرقام: هل تخفي “الرواية التنموية” أزمة حكامة في مشاريع درعة-تافيلالت؟

يُحسب للوكالة الوطنية للمياه والغابات أنها أتقنت، في بلاغها الصحفي الخاص بتخليد « اليوم العالمي للتنوع البيولوجي الذي تم بجهة درعة–تافيلالت يومي الأربعاء20 و21 ماي 2026″، صياغة « رواية تنموية » متكاملة الأركان. على مدار يومين بجهة درعة-تافيلالت، قُدّم عرض بانورامي مبهر: إطلاق حيوانات مهددة، استزراع ملايين الأسماك، تدشين تجهيزات، توقيع اتفاقيات، وتقديم مشاريع مبتكرة كـ »أكوابول الرشيدية ». تحت شعار « العمل محليًا من أجل أثر عالمي »، بدا المشهد أشبه بلوحة فسيفسائية تنموية متقنة. لكن، وبمجرد أن نبحث عن « المادة الرابطة » لهذه اللوحة، أي الأرقام والمؤشرات، نكتشف أن البلاغ يُقدم هيكلاً بدون روح، ويترك وراءه سيلاً من الأسئلة المفتوحة التي قد تكون، في حد ذاتها، المادة الصحفية الأكثر دلالة على عمق الإشكال.

السؤال كمؤشر: حين يتحول غياب الرقم إلى دليل إدانة

في الصحافة، السؤال الذي لا يجاب عنه قد يكون أهم من الخبر ذاته. حين يعلن البلاغ عن « إطلاق مليون من صغار الأسماك » بسد الحسن الداخل، فإن الرقم يبدو ضخماً للوهلة الأولى. لكن السؤال النقدي الذي لا يطرحه البلاغ هو: ما هي نسبة النفوق المتوقعة لهذه الصغار في بيئة مائية متغيرة كالسدود؟ وكم بلغت الكلفة المالية الإجمالية لعملية الاستزراع هذه، مقارنة بكمية الأسماك القابلة للصيد التي ستتوفر للتعاونيات بعد سنوات؟ ببساطة، أين تحليل الجدوى الاقتصادية (Cost-Benefit Analysis) الذي يسبق أي مشروع تنموي حقيقي؟ إن غياب هذا السؤال، وعدم تقديم إجابة عنه، يحول الرقم « مليون » من إنجاز إلى لغز، بل ويطرح فرضية مزعجة: هل الأولوية كانت لخلق حدث إعلامي قابل للتصوير والتداول، أم لضمان مردودية حقيقية للصيادين؟

الأمر ذاته ينطبق على « مشاريع هيكلية ذات أثر ترابي قوي » و »خلق فرص الشغل ». كم فرصة عمل بالضبط؟ هل هي دائمة أم موسمية؟ وما هو أجرها الأدنى؟ وهل هناك توزيع جندري وترابي لهذه الفرص؟ بدون هذه الأرقام، يتحول مفهوم « خلق فرص الشغل » إلى شعار مجوف، يمكن ترديده في كل بلاغ دون إمكانية محاسبته. إن غياب مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) ليس مجرد سهو إداري، بل هو في صميم العمل النقدي مؤشر على قصور في الحكامة، إذ كيف يمكن تقييم نجاح « نموذج تنموي ترابي مبتكر وشامل ومستدام » لا يمتلك حتى لغة الأرقام لتعريف النجاح ذاته؟

شبح التجارب السابقة: التاريخ يعيد نفسه كمسرحية تنموية

لنعد بالذاكرة قليلاً. قبل سنوات، أُطلقت مشاريع مماثلة في مناطق أخرى من المغرب، بتعاونيات للصيد وزوارق حديثة. ماذا حدث لاحقاً؟ مصادر مطلعة للموقع تحدثت عن تعاونيات تحولت إلى هياكل فارغة بسبب غياب سوق منظمة ومراقبة، وعن صيادين عادوا إلى قواربهم التقليدية بعدما أثبتت « التجهيزات الحديثة » عدم جدواها في غياب متابعة وسلسلة تسويق فعلية. هذا ليس اتهاماً، بل هو سؤال مشروع يُلح: كيف نضمن ألا تتحول « قوارب الصيد المطابقة للمعايير » الجديدة إلى نسخة مكررة من تلك الكاتدرائيات المهملة على ضفاف سدود أخرى؟ البلاغ لا يقدم أي إجابة، وكأن هذه المشاريع تولد من العدم دون تاريخ من الإخفاقات يُفترض التعلم منه.

مشروع « أكوابول الرشيدية » لتربية الأحياء المائية في أحواض الري يبدو مبتكراً على الورق. لكنه يستحضر أيضاً إشكالية قديمة متجددة في المناطق القاحلة: الأولويات المتناقضة لاستعمال المياه. في جهة تعرف إجهاداً مائياً تاريخياً ويُعاد فيها توزيع المياه بين الساكنة والفلاحة والسياحة، أين تقع أولوية تربية الأسماك في هذه المعادلة الصعبة؟ هل قُدمت دراسة أثر بيئي واجتماعي تُجيب عن هذا السؤال المصيري؟ أم أن المشروع صُمم في مختبر تقني بمعزل عن التوترات الاجتماعية اليومية حول المورد الأكثر ندرة؟ التجارب السابقة، من تدبير المياه الجوفية إلى مشاريع « الواحة الخضراء »، تُظهر أن تجاهل « الندرة الاجتماعية » للماء في مقابل حل تقني، هو وصفة أكيدة للفشل أو للانفجار الاجتماعي.

تناقضات الخطاب: نمور من ورق في غابة الأسئلة

البلاغ يتباهى بـ »حكامة تشاركية وتوافقية »، ويُدلل عليها بتوقيع اتفاقية « لتدبير نقطة التفريغ الإيكولوجية من طرف التعاونية المحلية للصيد التجاري ». هنا يكمن تناقض داخلي صارخ. إذا كانت الحكامة تشاركية، فأين هي معايير اختيار هذه التعاونية بالذات من بين باقي تعاونيات الصيد؟ هل كانت هناك منافسة شفافة؟ أم أن الأمر يتعلق، كما يحدث في كثير من الأحيان، بتكريس وضع احتكاري لفئة قليلة متحكمة في مداخل القرار المحلي، تحت غطاء « التمثيلية »؟ السؤال ليس افتراءً، بل هو استفهام يفرضه غياب أي ذكر لآليات الاختيار والمعايير. التناقض يتسع حين نقرأ عن « مدرسة الصيد » لتلقين الشباب مبادئ « الصيد الرياضي المستدام »، بينما يتم في الآن نفسه تجهيز تعاونيات للصيد التجاري المكثف في نفس المسطح المائي. أليس هذا جمعاً بين متناقضين؟ كيف يُدرب الشباب على « الصيد المستدام » القائم على الإمساك والإطلاق (Catch and Release)، بينما يُشجع الصيادون المحليون على تعظيم إنتاجهم التجاري؟ هل هناك خطة واضحة لتقسيم المسطح المائي ومناطق الصيد لتجنب الصراع بين النشاطين، أم أن لكل نشاط « بلاغه الصحفي » الخاص به دون نظرة شمولية؟

أخيراً، ربما يكون أكبر تناقض هو ذلك القائم بين شعار « العمل محليًا من أجل أثر عالمي » ومضمون البلاغ. الأثر العالمي يُقاس بخفض انبعاثات الكربون، وحماية أنواع مهددة عالمياً، والمساهمة في الأمن الغذائي… إلخ. لكن البلاغ لا يقدم ولو رابطاً واحداً بين هذه المشاريع المحلية وأهداف التنمية المستدامة (SDGs) أو الالتزامات الدولية للمغرب في اتفاقيات المناخ والتنوع البيولوجي. كيف يساهم « أكوابول الرشيدية » بالضبط في الهدف 14 (الحياة تحت الماء) وهو موجود في منطقة قاحلة برية؟ وما هي مساهمة استزراع الأسماك في سد الحسن الداخل في خفض غازات الاحتباس الحراري مقارنة ببصمته الكربونية الخاصة؟ بغياب هذه الروابط التحليلية، يتحول الشعار الأممي إلى مجرد « قبعة » أنيقة ألبست لحدث محلي.

« مهنة الصحافي هي السؤال، لا الاحتفال »

هذا المقال ليس شهادة وفاة لمشاريع الوكالة، بل هو شهادة ميلاد لواجبها في الإخبار الحقيقي. لا يمكن الحكم على هذه المشاريع بالفشل أو النجاح اليوم، وهذا ليس المطلوب. المطلوب هو الاعتراف بأن البلاغ الصحفي، بصيغته الحالية، لا يُقدم معلومات كافية لتكوين رأي موضوعي. إنه بيان نوايا مُتقن الصنع، لكنه يترك المواطن والصحافي أمام جدار من الأسئلة المشروعة.

إن أعمق نقد يمكن توجيهه ليس لمشروع بعينه، بل لهذه الثقافة المؤسساتية التي تخلط بين « التواصل » و »الإنجاز ». فبدلاً من أن يكون البلاغ الصحفي تتويجاً لعملية تقييم شفافة تقدم الأرقام ومؤشرات القياس وتقرّ بالإخفاقات لتتعلم منها، يتحول هو ذاته إلى « المنتج النهائي ». وحتى تثبت الوكالة أن أثرها « عالمي » حقاً، فعليها أن تبدأ بالخطوة الأساسية: جعل أثرها المحلي قابلاً للقياس، والقياس قابلاً للنشر، والنشر قابلاً للنقد. وحتى ذلك الحين، تظل مهنة الصحافي هي السؤال، لا الاحتفال. وكم هي كثيرة الأسئلة هنا.

 

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*


Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur la façon dont les données de vos commentaires sont traitées.